how to add a hit counter to a website
[ditty_news_ticker id="289"] [ditty_news_ticker id="292"]
مغردون

مكة.. اللقاء الأول.

محمد الهنومي

يا مكة الأشواقِ فاضتْ أعيني
والقلبُ يشكو لوعةَ الحِرمانِ

عزمنا على الذهاب، برفقة الشيخ علي العزي، وماهر فيروز- بسيارته- وأحمد الأديب، ويونس الغرباني.. انطلقنا من الجامعة بعد صلاة العشاء.. وصلنا ميقات ذي الحليفة.. أحرمنا ولبستُ قطعةَ قماش أُلبستُ معها رهبة ورغبة لم أعشْها من قبل!

سأكون بعد ساعات في بيت اللّه الحرام، إلى جانب أول بيت وضع للناس.. تمشي السيارةُ بسرعة 120 كيلو/للساعة، ويمشي قلبي بأضعاف أضعاف هذه السرعة..
وددتُ من الشوقِ الذي بي أنني
أُعارُ جناحَي طائرٍ فأطيرُ

في لحظة مفاجئة يقوم الأخ ماهر فيروز -سائقُ السيارة- بأخذ أقصى اليمين ثم الخروج من الخط السريع .. ثم التوقف!

ما الذي حدث يا ماهر؟

  • أشعر بإرهاق وأستأذنكم أغفو قليلا!

لعلك تمزح؟

  • لست مازحاً.

حبيبي يا ماهر.. أنا أجيد قيادة السيارة.. دعني أواصل.

  • صعب جدا.. أنت لا تملك رخصة قيادة سعودية..

لتنمْ قليلاً.. هيا أغمضْ عينيك سريعاً.. هيا.

عدنا إلى الخط السريع..

وصلنا الآن نقطة الجموم.. هنا مدخل العاصمة المقدسة..
قليلاً ونرى برج الساعة ..

  • أنا: هل أصبحنا قريبين من الحرم؟
    لا .. إنما علو البرج يجعلك تراه من مكان بعيد!

تاه ناظري يمنة ويسرة، أتعرفُ على شوارع مكة وجبالها.. أسماء شوارعها.

هنا مكة!
هنا تأريخٌ عظيم!

بدئُ نزول الوحي.. صعودُ رسول الله على جبل الصفا بشيراً ونذيرا.. تكذيبُ قريش.. الإسراء والمعراج.. استشهاد سمية أم عمار بن ياسر.. دار الأرقم بن أبي الأرقم.. دار الندوة.. الهجرة إلى الحبشة.. إسلامُ عمر.. حوار النبي صلى الله عليه وسلم مع الوليد بن المغيرة.. إيذاءه وهو يصلي في الحرم..
حوادث عظمية عاشتها مكة تكادُ تتجسد أمامي حقيقةً لا خيالا.

دخلتُ الحرم ..رأيتُ الكعبةَ من بعيد، ودُهشتُ، واهتزّ قلبي، وارتعشتْ سِيقاني.
رأيتُ حولها بشراً كالنّملِ يطُوفون ويُسبحون ويُهللون..

فيا كعبةَ الحسُنِ البديع الذي غدا
بها كل صبٍ والهِ القلبِ حائرِ

ويا مركزَ الأسرارِ والنورِ والبَها
ولطف جمالٍ راق في كل ناظرِ!

يا الله! .. أحلمٌ هذا أم حقيقة؟!
أين أنا الآن؟!.. لقد منّ اللّهُ عليّ وأكرمني بزيارةِ بيتِه.

لمْ أبدأُ الطوافَ بعد.. أريدُ أنْ تشبعَ عيني من النظرِ إلى الكعبة..
أُشبع قلبي من هيبة المكان..
أُسعد روحي من شرف الزمان..
ليلة جمعة، والوقت في الثلث الأخير من الليل.
أنظرُ عاليا .. نعم .. لقد تذكرتُ البيت المعمور..
أيّ عظمة، وأيّ جمال، وأيّ رغبة، وأيّ رهبة أكبر من هذا؟!
يتعاظم الشعور بالرهبة والرغبة في آن واحد.

لوْ أنّ عيْنِي إليكِ الدّهْرَ ناظِرةٌ
جاءتْ وفاتِيْ ولمْ أَشبعْ من النّظَرِ

لعلّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف يُصلي في ذلك المكان.. لعلهُ ذاك المكان تحديدا.
لعلّ عقبة بن أبي معيط،وعتبة بن ربيعة، وأميّة بن خلف.. تآمروا على وضع سلا الجزور وهم هُناك!

لقد أعز اللهُ دينَه،ونصر نبيه، وأهلك عقبةَ وعتبةَ يوم بَدْر.
واليوم ملايين النّاس تطوفُ بالبيت،وتدعو الله وحده، وقد سقط هبل، وذهب في مهْبّ الريح.

بدأتُ الطّواف.. كان الزحامُ شديداً.. تذكرتُ قولَ سعد بن أَبي وقّاص رضي الله عنه:” لقد مرّ عليّ زمنٌ كنتٌ فيه ثلثَ الإسلام” .. يصفُ قلةَ المسلمين!

تأتيْ صلاةٌ الفجرِ، ويَتقدم الشيخ عبد اللّه بن عوّاد الجُهَني، لِيُتْحَفنا بصوته الشَجِيّ، بتَحْبِير لا مثيلَ له، بأداءٍ مُعْجِز، بنَبْرة جميلة أنيقة.. لطالما تمَنّيتُ أن أَسْمعَها من جوار بيت الله الحرام بعيداً عن التلفاز.

يا فجرَ مكةَ كمْ حنّتْ خوافقنا
نقصُ ذكرى ليالٍ تُسلّينا

ندعوك يا ربّ والأشواقُ تغمرُنا
قرّب بفضلك أمْيالَ المُحبينا

واليوم ها أنذا مجدداً إلى المكان البعيد،ولم أعدْ بالقُرْبِ من مكة .. ولمْ يعد الذهاب إلى مكة بالأمر السهل كما كان..

لقدْ كان الذهابُ إلى مكة أمراً يسيراً، لا يتطلب سوى نية صادقة، وبضع ساعات حتى تُعانِقَ الكعبة!

ويا مكةَ الغراءَ يا بهجةَ الدُنا،
ويا مفخراً مستوعباً للمفاخرِ

عسى عودةٌ للمستهامِ ورجعةٌ
إليكِ لتقبيلِ الثرى والمآثرِ

واليوم وقد أصبحنا نصارع نتائج وآثار الحرب، ونقاتل لأجل العيش الكريم، وغادرتنا حياة السكينة والاطمئنان.. صارت مكة هدفاً للزيارة أكثر من أي وقت مضى!

قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:” تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيانِ الذنوبَ كما ينفي الكيرُ خبث الحديد” متفق عليه.

مكة.. دواء القلوب الحزينة، وبلسم النفوس الضائقة، ومكان عرض المطالب العظمية.

مكة.. طوافٌ وسعي، وتهليلٌ وتكبير، ودعواتٌ ومسرات، ومنى وعرفات..

مكة.. خير أرض الله، خير بيوت الله، مكان نزول خير كتب الله، بواسطة خير ملائكة الله، على أشرف وأكرم خلق الله صلى الله عليه وسلم.

مكة.. دواء المتعبين، وسكون المحبين، ومنتهى لذة العارفين.

مكة.. أمان الخائفين، وإنابة المذنبين، وعودة الغائبين، وصحوة التائهين.

مكة.. عودة البراءة، وتجديد الطهارة، والنجاة من الحسرات، ومضاعفة الحسنات.

يامُهجة الأرضِ يا ريحانةَ العُمُرِ
حبيبتي أنتِ في حلّي وفي سفري . .

كم بُتُّ أرسمُ أحلامي مطرّزةً
إليكِ بالشوقِ والتذكارِ والسّفرِ